في الوقت الذي تتجه فيه الوجهات الخليجية إلى تطوير تجارب سياحية تتجاوز مفهوم الفندق التقليدي، تستعد العاصمة العُمانية مسقط لدخول مرحلة جديدة مع مشروع «تلال القرم»، أحد المشاريع السياحية المتكاملة التي تراهن عليها سلطنة عُمان لتوسيع خيارات الإقامة والترفيه واستقطاب الزوار من الأسواق الخليجية.
المشروع الذي جرى توقيع اتفاقية تطويره في مارس 2026، يقع في منطقة القرم بولاية بوشر على مساحة تقدر بنحو 165 ألف متر مربع، وباستثمارات تقديرية تبلغ 230 مليون ريال عُماني، فيما تمتد مراحل تنفيذه على مدى 15 عاماً.
مشروع لا يكتفي بفندق
اللافت في «تلال القرم» أنه لا يقدم نفسه كمشروع فندقي تقليدي، وإنما كمجمع سياحي متكامل يجمع بين الإقامة والترفيه والتسوق والسكن ضمن وجهة واحدة.
ومن المقرر أن يضم المشروع فندقين من فئة أربع نجوم بطاقة استيعابية تتجاوز 400 وحدة فندقية، إلى جانب مجموعة من المرافق الترفيهية، بما في ذلك صالة ألعاب داخلية تضم ألعاب الليزر، ومرافق للترامبولين، ومنشآت لتسلق الصخور، إضافة إلى ملاعب رياضية متنوعة.
كما يتضمن المشروع منافذ تجارية ووحدات سكنية متاحة للتملك الحر، وهو ما يمنحه طبيعة مختلفة عن المنتجعات التي تركز بصورة أساسية على الإقامة الفندقية.
لماذا يمثل المشروع نقطة مهمة لمسقط؟
تتميز مسقط منذ سنوات بمزيج سياحي يصعب تقليده خليجياً؛ فالعاصمة العُمانية لا تعتمد على ناطحات السحاب أو المدن الترفيهية العملاقة لجذب الزوار، وإنما تقدم تجربة تقوم على الطبيعة والجبال والبحر والتراث والهدوء.
ومن هنا تأتي أهمية المشاريع المتكاملة الجديدة، إذ يمكنها إضافة عنصر ترفيهي أكثر تنوعاً إلى التجربة السياحية التقليدية للمدينة.
ومن المتوقع أن يخدم «تلال القرم» شرائح مختلفة من الزوار، خصوصاً العائلات التي تبحث عن وجهة تجمع الإقامة والترفيه والمطاعم والتسوق والأنشطة الرياضية دون الحاجة إلى التنقل لمسافات طويلة بين المواقع.
وهذا النوع من المشاريع يمكن أن يكون جذاباً بشكل خاص للزائر الخليجي الذي يفضل قضاء عطلة قصيرة تمتد لعدة أيام، بدلاً من الرحلات الطويلة التي تتطلب برنامجاً سياحياً معقداً.
القرم.. موقع يضيف قيمة للمشروع
اختيار منطقة القرم ليس تفصيلاً عادياً في المشروع.
فالمنطقة تعد من المناطق المعروفة في مسقط، وتجمع بين الطبيعة والحياة الحضرية والمرافق التجارية والترفيهية، ما يجعل موقع المشروع جزءاً مهماً من التجربة التي يمكن أن يحصل عليها الزائر.
وبالنسبة للسائح القادم من السعودية، فإن مسقط تتمتع أيضاً بميزة القرب وسهولة الوصول مقارنة بالعديد من الوجهات الدولية، مع اختلاف واضح في طبيعة التجربة.
فبدلاً من البحث عن مدينة مزدحمة بالمعالم الحديثة، يمكن للزائر أن يجعل مسقط نقطة انطلاق لاكتشاف البحر والجبال والأودية والأسواق القديمة والقرى الجبلية، ثم يعود إلى منطقة القرم لقضاء المساء وسط المطاعم والمرافق الحديثة.
السياحة العائلية في قلب المعادلة
أحد أبرز عناصر المشروع هو تركيزه الواضح على الأنشطة العائلية والترفيه الداخلي.
وجود ألعاب الليزر، والترامبولين، وتسلق الصخور، والمرافق الرياضية يعني أن المشروع لا يعتمد على الطقس أو الأنشطة الخارجية وحدها، وهي نقطة مهمة في صناعة السياحة الحديثة.
كما أن الجمع بين الفندق والمرافق التجارية والترفيهية يخلق إمكانية لبقاء الزائر داخل الوجهة لفترات أطول، وهو ما أصبح أحد المؤشرات المهمة في تصميم المشاريع السياحية الجديدة.
فالسائح اليوم لا يبحث دائماً عن غرفة فندقية فقط، بل يريد أن يجد حوله خيارات متعددة لقضاء يومه دون الحاجة إلى استخدام السيارة في كل مرة.
230 مليون ريال.. استثمار طويل الأمد
حجم الاستثمار المعلن للمشروع، والذي يصل إلى نحو 230 مليون ريال عُماني، يعكس طبيعة الرهان على تطوير السياحة في مسقط.
لكن اللافت أيضاً أن المشروع لن ينفذ دفعة واحدة، إذ تمتد مراحل تطويره إلى 15 عاماً.
وهذا يعني أن «تلال القرم» ينبغي النظر إليه باعتباره مشروعاً طويل الأمد يمكن أن يتطور تدريجياً بالتوازي مع نمو الطلب السياحي في السلطنة، وليس مجرد افتتاح سياحي عابر.
ويتقاطع ذلك مع توجه عُمان نحو زيادة الاستثمارات السياحية وتنويع المنتجات المقدمة للزوار.
ففي مايو 2026، وقعت وزارة التراث والسياحة العُمانية اتفاقيتين لإقامة منتجع أربع نجوم في ولاية الحمراء وفندق خمس نجوم في ولاية مرباط، باستثمارات تتجاوز 12 مليون ريال عُماني.
هل ينافس الوجهات الخليجية الكبرى؟
ربما لا تكون المنافسة الحقيقية لـ«تلال القرم» مع المشاريع العملاقة في دبي أو الرياض أو الدوحة من حيث الحجم، لأن المنتج السياحي العُماني مختلف أساساً.
قوة مسقط تكمن في قدرتها على تقديم تجربة أكثر هدوءاً وطبيعية، بينما يمكن للمشاريع الجديدة أن تضيف إليها جرعة أكبر من الترفيه والخيارات العائلية.
وهنا تحديداً يمكن أن تظهر قيمة «تلال القرم».
المشروع لا يحاول تغيير شخصية مسقط، بل يمكن أن يضيف إليها طبقة جديدة من التجربة السياحية الحديثة، بحيث يستطيع الزائر الجمع بين الطبيعة العُمانية الأصيلة والمرافق السياحية العصرية.
فرصة جديدة للسائح السعودي
بالنسبة للسائح السعودي، قد يكون المشروع واحداً من الخيارات التي تستحق المتابعة عند التخطيط لرحلة قصيرة إلى عُمان، خصوصاً للعائلات.
فمسقط قريبة نسبياً من السوق السعودية، وتوفر تجربة مختلفة عن الوجهات الخليجية المعتادة، بينما يمكن لمشاريع مثل «تلال القرم» أن تجعل الإقامة نفسها جزءاً من الرحلة بدلاً من أن تكون مجرد مكان للنوم.
القصة الأهم هنا ليست فندقين جديدين أو مئات الغرف الفندقية، بل التحول التدريجي في المنتج السياحي العُماني نحو وجهات متكاملة تستطيع أن تجمع في مكان واحد بين الإقامة والترفيه والتسوق والسكن.
ومع دخول المزيد من المشاريع السياحية حيز التطوير في السلطنة، تبدو مسقط أمام فرصة لإعادة تقديم نفسها للسائح الخليجي باعتبارها وجهة تجمع بين هدوء الطبيعة العُمانية ومتعة السياحة الحديثة، من دون أن تفقد هويتها الخاصة.
