لم تعد السعودية تكتفي بجذب السياح من الأسواق التقليدية؛ فأنظارها تتجه بقوة نحو الصين، أحد أكبر أسواق السفر الخارجي في العالم. ومع توقعات بارتفاع إنفاق السياح الصينيين على الرحلات الترفيهية في الشرق الأوسط بنحو 130 في المئة بحلول عام 2030، تسارع الرياض إلى تجهيز نفسها لحجز حصة أكبر من هذا التدفق، عبر تعزيز الرحلات الجوية، وتطوير خدمات مخصصة للزائر الصيني، والاستثمار في تجارب تجمع بين الفخامة والثقافة.
ويأتي انعقاد النسخة الأولى «WTM Spotlight Riyadh» الأسبوع المقبل ليمنح المملكة منصة جديدة لتسويق رؤيتها السياحية أمام العالم.
وتُظهر أبحاث أجرتها شركة Dragon Trail International أن السعودية تُعد من أسرع الوجهات نمواً أمام السياح الصينيين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فيما تسعى المملكة، في إطار «رؤية 2030»، إلى ترسيخ موقعها كوجهة سياحية عالمية قادرة على استقطاب أسواق جديدة.
وشكّل حصول السعودية في يوليو 2024 على صفة الوجهة السياحية المعتمدة من الصين (ADS) محطة مهمة في هذا المسار، إذ يتيح التصنيف للمملكة استقبال مجموعات سياحية صينية منظمة والترويج رسمياً للسفر الجماعي من الصين.
السعودية تستعد لتكون «وجهة صينية»
تعمل المملكة على تطوير خدمات وبنية تحتية أكثر ملاءمة للزوار الصينيين، تشمل لافتات باللغة الصينية في المطارات، وتوسيع خيارات الدفع الرقمي، وتطوير تجارب سياحية مخصصة، وتعزيز الربط الجوي بين البلدين.
وتأتي هذه الخطوات استجابة لتغير أنماط السفر لدى السياح الصينيين، الذين باتوا يبحثون بصورة أكبر عن التجارب الثقافية الأصيلة، والإقامة الفاخرة، والرحلات المناسبة للعائلات، والخدمات الرقمية السلسة.
وتسعى السعودية إلى توظيف مواقعها التراثية ومشاريعها السياحية الفاخرة ومرافقها الثقافية لتلبية هذه التوجهات، بالتوازي مع توسع كبير في البنية التحتية السياحية.
قفزة في الرحلات الجوية
يشكل تعزيز الربط الجوي أحد المحاور الأساسية في استراتيجية استقطاب السياح الصينيين. ووفق البيانات، ارتفعت الطاقة الاستيعابية للرحلات الجوية بين الصين والسعودية بنسبة 91 في المئة خلال عام 2025 مقارنة بعام 2024.
وتشغّل شركات طيران عدة رحلات مباشرة بين البلدين، من بينها الخطوط السعودية، وتشينا ساوثرن، وتشينا إيسترن، وهاينان إيرلاينز، وإير تشاينا.
وتربط الرحلات المباشرة الرياض بعدد من المدن الصينية الكبرى، بينها بكين وشنغهاي وشنتشن وقوانغتشو، فيما توجد أيضاً رحلات تربط بكين بالدمام وهايكو بجدة.
الصين سوق نمو رئيسي
تأتي هذه الجهود في وقت يُتوقع أن يشهد فيه السفر الصيني إلى منطقة الشرق الأوسط نمواً كبيراً خلال السنوات المقبلة.
ووفق تقرير اتجاهات السفر في سوق السفر العربي 2025، الصادر عن Tourism Economics التابعة لـOxford Economics، من المتوقع أن ترتفع إنفاقات السياح الصينيين على الرحلات الترفيهية في الشرق الأوسط بنحو 130 في المئة بين عامي 2024 و2030.
وتسعى السعودية إلى الاستفادة من هذا النمو لتعزيز حصتها من السوق الصينية، في إطار هدفها الطموح المتمثل في استقبال 150 مليون زائر سنوياً بحلول نهاية العقد.
وتكشف المؤشرات اتساع الحضور الصيني في المنظومة السياحية السعودية من خلال تنفيذ مشروعات مرتبطة بالضيافة والبنية التحتية السياحية، والتعاون في استقطاب السياح الصينيين، وربط الشركات السياحية السعودية بالسوق الصينية.
ومن الأمثلة على ذلك التعاون بين طيبة للاستثمار والهيئة السعودية للسياحة ومجموعة i2i الصينية بهدف تعزيز حضور المملكة في السوق الصينية، وتطوير الجوانب المرتبطة بالبنية السياحية والتسويق وتنظيم استقبال الزوار القادمين من الصين.
الرياض تستضيف «WTM Spotlight»
ومن المنتظر أن تجمع النسخة الأولى من «WTM Spotlight Riyadh»، التي تستضيفها الرياض في مركز واجهة الرياض للمعارض والمؤتمرات، أكثر من 300 عارض و7 آلاف مشارك من المنطقة والعالم و150 مشترياً مستضافاً.
وتركز الفعالية على الاجتماعات التجارية والتواصل بين العاملين في القطاع، إلى جانب مناقشة الاتجاهات الجديدة في صناعة السفر وتبادل المعلومات حول الأسواق السياحية.
وتوفر الفعالية للسعودية منصة إضافية للترويج لمقوماتها السياحية وتعزيز الشراكات مع الأسواق الدولية، في وقت تعمل فيه المملكة على إعادة صياغة موقعها على خريطة السياحة العالمية.
ما بعد استقطاب السائح الصيني
بالنسبة إلى السعودية، لا يمثل السوق الصيني مجرد مصدر إضافي للزوار، بل يشكل جزءاً من استراتيجية أوسع لتنويع الأسواق السياحية، وتعزيز الاتصال الجوي الدولي، وتقليل الاعتماد على أسواق تقليدية، ودعم تحول المملكة إلى مركز سياحي عالمي.
لكن التحدي الأساسي سيكون تحويل الاهتمام الصيني المتزايد إلى زيارات وإنفاق مستدامين، عبر توفير الربط الجوي الكافي، والتجارب الثقافية التي تلائم الزائر الصيني، والخدمات الرقمية، ومستويات الضيافة التي يتوقعها المسافر الصيني الجديد.
