السياحة الأثرية في السعودية تفتح نافذة على عالم المستطيلات الحجرية القديمة، حيث تكشف المنشآت الغامضة عن تاريخ الإنسان وممارساته الطقوسية في قلب الحرات البركانية.
تقدّم المستطيلات الحجرية في حرة خيبر شمال غربي المملكة العربية السعودية تجربة سياحية أثرية مختلفة، تجمع بين استكشاف الطبيعة البركانية والتعرّف على آثار الإنسان القديم، في مشهد تتداخل فيه الصخور السوداء مع منشآت حجرية شُيّدت قبل آلاف السنين، ولا تزال تحمل أسئلة مفتوحة عن حياة المجتمعات التي عاشت في الجزيرة العربية خلال عصور ما قبل التاريخ.
وأعادت دراسة علمية نُشرت في 18 سبتمبر 2026 تسليط الضوء على هذه المنشآت، بعد أن تناولت نتائج أعمال ميدانية نفّذها باحثون من جامعة سيدني بالتعاون مع هيئة التراث السعودية في عام 2023، ضمن موقع يقع جنوب شرقي بلدة الثمد في حرة خيبر. ووثّق الفريق 28 مستطيلًا حجريًا، إلى جانب منشآت أثرية أخرى، وأجرى حفريات استكشافية في ثلاثة منها، في خطوة توسّع المعرفة العلمية بهذا النمط المعماري القديم.
وتتميّز هذه المنشآت بتصميم هندسي لافت، إذ تتألف عادةً من منصتين حجريتين عند طرفي البناء، تربط بينهما جدران طويلة متوازية، لتشكّل مساحة مستطيلة مفتوحة. غير أن أعمال التنقيب في خيبر كشفت عن تنوع معماري يتجاوز هذا الشكل المعروف؛ فقد رصد الباحثون تصميمات أكثر تعقيدًا، تتضمن ممرات حجرية ضيقة ومنخفضة، في تفاصيل لا يمكن تمييزها بوضوح من الصور الفضائية وحدها.
ومن أبرز النماذج التي تناولتها الدراسة منشأة يبلغ طولها نحو 160 مترًا وعرضها 51 مترًا، وتضم ممرات يقل ارتفاع بعضها وعرضها عن متر واحد. ويمنح هذا التصميم الموقع قيمة إضافية للباحثين والمهتمين بالسياحة الثقافية، لما يقدمه من شواهد على تنوع أساليب البناء لدى المجتمعات القديمة، مع بقاء الوظيفة الدقيقة لهذه الممرات موضع بحث.
ولا تقتصر أهمية المستطيلات على أشكالها الهندسية؛ فقد أظهرت البقايا الحيوانية التي عُثر عليها في عدد من المنشآت وجود اختيار متكرر لأجزاء علوية من جماجم الحيوانات ذات القرون، خصوصًا الأبقار، وهو نمط يختلف عن مخلفات الطعام اليومية. ويرجّح الباحثون أن هذه البقايا ارتبطت بممارسات طقوسية أو تقديم قرابين، بما يشير إلى أن هذه المواقع ربما كانت أماكن لتجمعات ذات دلالات رمزية أو دينية لدى سكان المنطقة القدماء، دون أن تتضح حتى الآن طبيعة تلك المعتقدات بصورة قاطعة.
وتكتسب حرة خيبر أهمية خاصة في هذا المجال؛ إذ تشير الدراسة إلى تحديد أكثر من 400 مستطيل أثري في المنطقة، بينما تجاوز عدد المنشآت المعروفة من هذا النمط 1600 منشأة في شمال الجزيرة العربية. وتعود المستطيلات المدروسة في مناطق أخرى، ومنها العُلا، إلى الألف السادس والخامس قبل الميلاد، فيما تشير نتائج خيبر إلى امتداد هذا التقليد المعماري والطقوسي على فترة زمنية طويلة، قدّرت الدراسة استمرارها بما لا يقل عن ألف عام.

ومن منظور السياحة الأثرية، تفتح هذه الاكتشافات المجال أمام تقديم خيبر بوصفها وجهة تتجاوز شهرتها التاريخية والطبيعية، لتصبح جزءًا من رحلة استكشاف أعمق لتاريخ الإنسان في الجزيرة العربية. فالمشهد البركاني الذي يحيط بالمستطيلات، وتوزع المنشآت الحجرية على الهضاب، وما تحمله من أسرار لم تُحسم بعد، تمنح الزائر المحتمل تجربة مختلفة عن أنماط السياحة التقليدية، تجمع بين الجغرافيا والتاريخ والبحث العلمي.
وتوفر هذه المواقع أيضًا فرصة لتطوير محتوى سياحي ثقافي يعرّف الزوار بقيمة التراث الأثري السعودي، من خلال الشروحات العلمية والخرائط والصور الجوية والبرامج التفسيرية التي توضح كيفية اكتشاف المنشآت وقراءتها، مع مراعاة حماية المواقع من العبث والتآكل، وعدم دخول المنشآت أو زيارتها ميدانيًا إلا وفق المسارات والتصاريح المعتمدة.
ومع استمرار الأبحاث الأثرية في شمال غربي المملكة، تبرز المستطيلات الحجرية في خيبر شاهدًا على عمق الحضور الإنساني في الجزيرة العربية، وعلى أن كثيرًا من تفاصيل الحياة والمعتقدات لدى المجتمعات القديمة ما زالت تنتظر مزيدًا من الاكتشاف. وبين الجدران التي صمدت آلاف السنين والأسئلة التي لا تزال بلا إجابات نهائية، تقدم خيبر عنوانًا واعدًا للسياحة الأثرية التي تجعل من المعرفة والتاريخ جزءًا أصيلًا من تجربة السفر.
